ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
480
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
فإن أمسك إلا ليعطيك سؤالك ، راقب علمه بالمصالح فيك ، تجد ما قلنا إنّه رقيب حكيم ، فإذا عرفت هذا عرفت أنّ منعه قد ملئ عطاء ، وما ثمّ إلا عطاؤه ، ولكن بصورة منع ، ومنع بصورة عطاء ، يقول اللّه تعالى : وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً [ الإسراء : 20 ] . فمن كان منعه عطاء ، فذلك هو الجواد ، بل حضرة المنع أنت ، فإنّ الجود مطلق والوهب عام تام ، فالمنع منك بعدم قبولك إياه ؛ لأنّه لا يلائم مزاجك ، ولا يقبله انحرافك ، فمنعه تابع امتناعك ؛ بل هو عينه ، هذه خيرة العبد التي اختار لنفسه وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [ القصص : 68 ] . فأعطي المانع كما يمنع المعطي ، وكذلك الضّار ، فإنّه قد يكون النفع منه عين زوال الضرر خاصة ، فالضّار قد يجلب النفع ، فوقع الضّار نافعا ، فعطاؤه كله نفع غير ضرر ، غير أنّ المحل في وقت يجد الألم لبعض الأعطيات ، فلا يدرك لذّة العطاء ولا يعلم ما فيه من النفع الإلهيّ ، فيسميه ضارّا من أجل ذلك ، وما علم أنّ ذلك من مزاجه القابل لذلك ، لا من العطاء . أما ترى أنّ العسل شفاء للناس ، ومع هذا يضرّ بالصفراوي لعدم قبوله ، فما من اللّه إلا الخير المحض كله ، والشر ليس إليه ؛ بل إنّ جميع ما يلحق الإنسان نعمة اللّه وامتنان ، حيث اختصه بالامتحان ، فإنّه لو أهمله لكان أبلغ في الهوان وأدخل في الخسران والحرمان كما قيل : لئن ساءني أن نلتني بمساءة * لقد سرّني أنّي خطرت ببالكا مع أنّه ورد في الحديث أنّه قال صلى اللّه عليه وسلم : « واللّه الذي لا إله إلا هو ما قدّر اللّه لابن آدم من قدر إلا هو خير له « 1 » » . وفي رواية : « ومن قدر في الأرض . . « 2 » » الحديث .
--> ( 1 ) ذكر المتقي الهندي نحوه في الكنز ( 16 / 193 ) . ( 2 ) روى الطبري في التفسير نحوه ( 16 / 97 ) .